ابن عربي
452
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
لكونه أعمى ، أي لا تتطير ، فنهاه عن الطيرة ، فمن هنا كان يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة ، وهو الحظ من المكروه ، والفأل الحسن الحظ والنصيب من الخير ، فما تلهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الأعمى إلا لحبه في الفأل ، وما جاء اللّه تعالى بالأعمى ، إلا لبيان حال مخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعمى هؤلاء الرؤساء ، وعلم بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن وقف مع حرصه على إيمانهم والوفاء بالتبليغ الذي أمره اللّه به ، ولأن صفة الفقر صفة نفس المخلوق ، وقد علم صلّى اللّه عليه وسلّم أنه الدليل ، فإن الدليل لا يجتمع هو والمدلول ، وهو دليل على غنى الحق ، وقد تجلى في صفة هؤلاء الرؤساء ، فلا بد من وقوع الإعراض عن الأعمى والإقبال على أولئك الأغنياء ، ومع هذا كله وقع العتاب جبرا للأعمى ، وتعريفا بجهل أولئك الأغنياء ، فجبر اللّه قلب الأعمى وأنزل الأغنياء عما كان في نفوسهم من طلب العلو فانكسروا لذلك ، ونزلوا عن كبريائهم بقدر ما حصل في نفوسهم من ذلك العتاب الإلهي . واعلم أن الملك العزيز في قومه ما جاء إليك ولا نزل عليك إلا وقد ترك جبروته خلف ظهره ، أو كان جبروتك عنده أعظم من جبروته ، فعلى كل حال قد نزل إليك ، فأنزله أنت منزلته من نفسه التي يسر بها تكن حكيما ، وما عاتب اللّه نبيه في الأعمى والأعبد إلا بحضور الطائفتين ، فبالمجموع وقع العتب ، وبه أقول لا مع الانفراد ، فتعظيم الملوك والرؤساء من تعظيم ربك ، وتعظيم الفقراء جبر لا غير لانكسارهم في فقرهم . [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 11 إلى 13 ] كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ ( 11 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) اللوح المحفوظ فيه قدر ما يقع به التصريف في الدنيا إلى يوم القيامة ، يتضمن ما في العالم من حركة وسكون ، واجتماع وافتراق ، ورزق وأجل ، وعمل ، ثم أنزل ذلك كله في كتاب مكنون إلى السماء الدنيا ، وهي قوله تعالى « فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ » . [ سورة عبس ( 80 ) : آية 14 ] مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) يعني التذكرة التي هي الرسالة ، التي تنزل بها الملائكة فيها توقيعات إلهية بما وعد اللّه المؤمنين باللّه وملائكته وكتبه ورسله وما جاءت به رسله من اليوم الآخر والبعث الآخر ، وما يكون في ذلك اليوم من حكم اللّه في خلقه .